محمد حسين علي الصغير

132

أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم

صرحنا بالمشبه به ، وكأنه عين المشبه مبالغة واتساعا في الكلام . 2 - الاستعارة المكنية : وهي ما حذف فيها المشبه به ، أو المستعار منه ، حتى عاد مختفيا إلا أنه مرموز له بذكر شيء من لوازمه دليلا عليه بعد حذفه . ومثال ذلك من القرآن الكريم قوله تعالى : وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ . . . ( 154 ) « 1 » . ففي هذه الآية ما يدل على حذف المشبه به ، وإثبات المشبه ، إلا أنه رمز إلى المشبه به بشيء من لوازمه ، فقد مثلت الآية ( الغضب ) بإنسان هائج يلح على صاحبه باتخاذ موقف المنتقم الجاد ، ثم هدأ فجأة ، وغير موقفه ، وقد عبر عن ذلك بما يلازم الإنسان عند غضبه ثم يهدأ ويستكين ، وهو السكوت ، فكانت كلمة ( سكت ) استعارة مكنية بهذا الملحظ حينما عادت رمزا للمشبه به . وأظهر من ذلك في الدلالة قوله تعالى : وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ ( 18 ) « 2 » . فالمستعار منه هو الإنسان ، والمستعار له هو الصبح ، ووجه الشبه هو حركة الإنسان وخروج النور ، فكلتاهما حركة دائبة مستمرة ، وقد ذكر المشبه وهو الصبح ، وحذف المشبه به وهو الإنسان ، فعادت الاستعارة مكنية . وهاتان الاستعارتان أعني التصريحية والمكنية نظرا فيهما إلى طرفي التشبيه في الاستعارة ، وهما المشبه والمشبه به ، فتارة يحذف المشبه فتسمى الاستعارة ( تصريحية ) وتارة يحذف المشبه به فتسمى الاستعارة ( مكنية ) . وكان عبد القاهر الجرجاني ( ت : 471 ه ) قد أشار - كما أسلفنا -

--> ( 1 ) الأعراف : 154 . ( 2 ) التكوير : 18 .